قصة البلاستيك ... دروس و فوائد - بيوتات الكيمياء التعليمية

 
 

اخر المواضيع : الموضوع : ورقة عمل رائعة عن (قصة مادتين )اول ثانوي مطور..   ( الكاتب : ام حلاتي     الزيارات : 29568     الردود : 67 )         الموضوع : مخطط مختصر لتفاعلات الكيمياء العضوية   ( الكاتب : abo abdo     الزيارات : 1674     الردود : 3 )         الموضوع : ورقة عمل قوانين الغازات   ( الكاتب : ohg]     الزيارات : 4694     الردود : 12 )         الموضوع : سجل متابعة إلكتروني ... لمادة الكيمياء نظام المقررات   ( الكاتب : sss28     الزيارات : 13707     الردود : 41 )         الموضوع : وُلد في مثل هذا اليوم (متجدد)   ( الكاتب : عوود كبريت     الزيارات : 6158     الردود : 174 )         الموضوع : مساعدة بخصوص رش كروم   ( الكاتب : abukhaled     الزيارات : 178     الردود : 0 )         الموضوع : اريد الأطمئنان عنكم جميعا   ( الكاتب : متفاعلة كيميائية     الزيارات : 656     الردود : 5 )         الموضوع : طيف العناصر   ( الكاتب : اميرة السيد     الزيارات : 31262     الردود : 212 )         الموضوع : مكتبة للكتب الكيميائية الالكترونية للتحميل المباشر   ( الكاتب : اميرة السيد     الزيارات : 48200     الردود : 45 )         الموضوع : كاشف الملفوف الأحمر   ( الكاتب : حنونيا     الزيارات : 50319     الردود : 9 )         
عودة   بيوتات الكيمياء التعليمية > ... > الكيمياء العضوية والحيوية

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1   -->
قديم 26-02-2003, 06:33 PM
أستاذ جامعي
 
تاريخ الانتساب: 10 2002
المكان: الرياض
مشاركات: 70
د/ أحمد الغامدي على طريق التميز و النجاح
افتراضي قصة البلاستيك ... دروس و فوائد

الاخوة أعضاء منتدى الكيمياء كل عام وانتم بخير

و عذرا عن طول الانقطاع و ما ذلك الا للمشاغل الاكاديمية و البحثية.

اثناء انشاغلي بالتحضير للعدد الجديد (المخصص عن البولمرات و البلاستيك) من مجلة الكيمياء الصادرة عن الجمعية الكيميائية اعددت مقال مطول بعنوان "عجائب دنيا البلاستيك السبع" استعرضت فيه العجائب العلمية الحديثة في مجال البولمرات مثل البلاستيك الموصل للكهرباء و الاخر المشع للضوء و البلاستيك القابل للتحلل الحيوي و البلاستيك الذي يستخدم كقطع غيار بشرية و ذلك الذي يصلح نفسة عند التلف و الخيوط البولمرية الاقوى من الفولاذ و البولمر الفائق الامتصاص للسوائل وغيرها.
ما لفت نظري ان العديد من هذه الاكتشافات تمت من خلال احداث يمكن استشفاف فوائد و دروس تربوية و تعليمية فريدة و هو ما اردت اشراك معلمي الكيمياء الاعزاء فيه. و هذا مقدمة المقال التربوية اما بقية المقال فسوف تنشر قريبا في مجلة الكيمياء.

عجائب دنيا البلاستيك السبع

كما لا يخفى فان شكل عالمنا المعاصر كان سوف يستمر فولاذي الملمح والطباع لو لم يقدر الله عز وجل هذا التقدم المذهل لعلم الكيمياء ، ذلك العلم المركزي الذي أعاد تشكيل هيئة و سحنة عالمنا بإنتاجه مواد ومركبات جديدة غيرت وجه العالم بصورة غير مسبوقة . العديد من هذه المواد والمنتجات الكيميائية الجديدة هي أعاجيب علمية وتقنية بكل ما تعنية الكلمة ، حولت مواد وأشياء تقليدية وشائعة في حياتنا اليومية مثل الخزف من مجرد مادة لصنع فناجيل القهوة العربية أو أكواب النسكافيه الإيطالية إلى مادة فائقة التوصيلية الكهربية تدخل في صناعة الحاسبات الآلية . وكمثال نموذجي لهذه المنتجات الكيميائية الذكية والعجيبة سوف نلقي الضوء على التطورات الحديثة التي رافقت علم البولمر والبلاستيك الذي هو أعجوبة وآية الزمن الحالي دون نقاش . وباستناد الكيمياء إلى هذه الدعامة البلاستيكية الراسخة نستطيع وبكل ثقة أن نصحح المعلومات الثقافية لشاعر النيل شوقي الذي قال :
لكل زمان مضى آيه
وآية هذا الزمان الصحف

فإذا كانت آية زمانك الغابر يا أمير الشعراء و رب القوافي الصحف الورقية ، فإن آية زماننا الحاضر التحف البلاستيكية المتنوعة الأشكال والخواص والذكاء .

صدفة أم ذهن متأهب
قبل الشروع في سرد عجائب وغرائب عالم البولمرات السبعة ، لعله من الملائم الإشارة إلى أعجوبة ثامنة جديرة بالتنوية والبيان محورها أن قصة تطور البلاستيك مرت عبر سلسلة من المصادفات والفرائد التاريخية التي لا تخلو من بعض الدروس والفوائد التربوية والتعليمية . لقد زُعم أن العديد من الاكتشافات والاختراعات العلمية المتنوعة قد تم اكتشافها بالصدفة المحضة، الشيء الذي سوف نلحظه بشكل متكرر وملفت للنظر عند تتبع تاريخ تطور علم البولمرات ابتداءً لأكتشاف Goodyear لعملية فلكنة المطاط الطبيعي ومروراً باكتشاف النايلون والتفلون واختتاماً – حتى إشعار أخر – باكتشاف البولمر الموصل للكهرباء وكذلك البولمر المشع للضوء . من وجهة نظري المتواضعة اعتقد أن نظرية (الصدفة المحضة) هي تبسيط واختزال مخل لتفسير انجازات علمية مقدرة شاء الخالق عز وجل لحكمته المطلقة أن يمنحها للبشرية بلاغاً لها إلى حين . يبدو ان الأمر أبعد بكثير من تبسيط الأمور بفكرة الصدفة المجردة ، لانه في المقابل ستجد ان عدد الفرص الضائعة عصى على الحصر . فبالإضافة لابتسامة الحظ ودعاء الوالدين - كما يقال - فإن التوفيق لاكتشاف علمي مفصلي و محوري يحتاج كذلك إلى جهد مضني من البحث والرصد واليقظة ، وصدق من قال أن الصدفة لا تقبل إلا على من يحسن أن يغازلها و يستقطبها الية و هذا في الغالب يحتاج الي اداء جهد وليس فقط ابتسامة حظ . بالاضافه لذلك فالأمر أيضاً يحتوي على شيء من الموهبة والملكة لدى العالم والباحث يستطيع من خلالها أن يقتنص وينتهز الفرص المثمرة أثناء تأديته لعمل روتيني تقليدي . ولهذا يقال أن سقوط التفاحة أوحى لنيوتن بنظرية الجاذبية بينما لو حصل الأمر لبعض الخاملين لم يوحي له ذلك بكثير شيء غير أن موعد الغداء قد حان . وقل مثل ذلك مع فلمنج الذي لم يتخلص من طبق البكتيريا الملوث بالفطر وهو يتضجر من تجربة فاشلة أخرى و لكن بدلاً عن ذلك اقتنص الفرصة السانحة ووظف ملكته وموهبته الاكتشافية Serendipity ليتوصل إلى اكتشاف البنسلين . وبمختصر العبارة في كثير من الأحيان يبدأ الحدث العلمي الضخم باللقافة (مع الاعتذار عن التعبير) وحب الاستطلاع Curiosity ، فكما يقال الطريقة العلمية تبدأ بالفضول المعرفي الذي يؤدي إلى مجموعة من الملاحظات والمشاهدات Observations ومن ثم يأتي دور الذهن المتأهب واللمّاح الذي ينتج عجائب الاكتشافات من أمر تافه غير ذي بال يعده غالبية البشر استثناء وشواذ أو تجربة فاشلة مكانها الطبيعي دائرة النسيان و مزبلة الامبالاة .

شيء من تاريخ الصدف البلاستيكية
لقد سبق الإشارة إلى أن عدداً من مكتشفات عالم البولمر تعتبر مثال نموذجي لفكرة التلازم بين الصدفة والتوفيق وبين ملكة اهتبال واستثمار الفرص السانحة . في الواقع أنه في حالة علم البولمرات هذا التلازم المثمر قد يعود في أقل تقدير إلى ما يزيد عن القرن والنصف من الزمن عندما أنتج العالم السويدي Schoenbein وبطريق الصدفة المجردة (إذا جاز هذا الوصف لما سبق التنبيه إليه) مركب النيتروسيلولوز عندما سكب محلول النيتريك المركز عن طريق الخطأ على طاولة المطبخ وفي عجاله من أمره مسح الحمض المسكوب بممسحة ومنشفة من القطن ليكتشف فيما بعد أنه بعمله الفج هذا فانه في الواقع حول وعدل مركب السيلولوز الذي هو بولمر طبيعي كما هو معروف إلى مركب جديد ذو خواص غريبة من أهمها أنه سريع الاشتعال بل و يمكن تحويله إلى مواد شديدة الانفجار . ولأن صناعة المتفجرات والبارود كانت مغرية جداً من المنظور المالي لذلك لم يلتفت هذا العالم إلى الخواص الاخرى لهذا المنتج الجديد كالمرونة والتمغنط elastic. في واقع الحال سوف يمر وقت طويل يزيد عن سبعة عقود ليثبت البلاستيك أهميته التنافسية مقابل المتفجرات وذلك عندما ستغير شركة Du Pont اهتمامها من صناعة البارود (التي ابتدئها مؤسس الشركة Du Pont الفرنسي الأصل) إلى شركة عملاقة كانت انطلاقتها الحقيقية باكتشاف Carothers للنايلون الذي يعد من باكورة البولمرات الاصطناعية . من ذلك نستفيد أن العالم النبيه لا يحتقر الأمور الصغيرة والجانبية في بحثه فقد يدور الزمان دورته وتكون هي بعينها سر النجاح والثروة أو كما قيل
أن يحتقر صغرٍ فرب مفخمٍ
يبدو ضئيل الشخص للنظارِ

الجدير بالذكر انه أثناء ما كان العالم السويدي الآنف الذكر يثير الفوضى بمطبخ منزله بإهماله المزدوج من وضع ومن سكب حمض أكّال على طاولة الطعام ، كان مخترع أمريكي أخر يدعى Charles Goodyear ، قد خرج للتو من السجن بسبب ديونه المتراكمة ليشغل نفسه لسنوات طوال في محاولة تحسين خواص المطاط الطبيعي . و في أحد الأيام وعن طريق الإهمال (أو الصدفة إذا نظرت للحدث من زاوية مختلفة) أسقط Goodyear قطعة من المطاط الطبيعي الخام مع الكبريت في موقد حار في المطبخ (للمرة الثانية تلازم الإهمال والصدفة يهيأ وجود مواد كيميائية في المطبخ !!!) وعندما أزال Goodyear المطاط من الموقد لاحظ أنه ما زال مرناً، الشيء الذي يفتقده المطاط الطبيعي عند التسخين ، وهكذا تم اكتشاف عملية فلكنة Vulcanization المطاط الطبيعي . الطريف حقاً أن هذا التاجر التعيس عندما حاول أن يستثمر براءة الاختراع هذه بإنشاء مصنعين للمطاط في بريطانيا وفرنسا لم يحالفه الحظ وأفلس وحبس للمرة الثانية في فرنسا حتى يسدد الديون التي عليه وبهذا اختتم حياته وهو غارق في الديون والفقر . القصة لم تنتهي هنا فكما هو معلوم فإن اسم Goodyear لا يزال محفوظاً حتى اليوم حيث اشترت احدى الشركات الامريكية اسم هذا التاجر المفلس و وظفته في عمليتها التسويقية الناجحه التي افرزت شركة ناجحة و متخصصة في صناعة المطاط وإطارات السيارات . لهذا الدرس الثاني أن الحظ يأتي مرة واحدة وكما قيل : ليس لأحد حظ كل يوم فكما لا يجتمع سيفين في غمد فكثيرا ما يكون الباحث الفذ أداري و تاجر فاشل .

من جانب أخر يقال أن الرجال المحظوظون لا يحتاجون إلى النصيحة وهذا القول قد يصدقه الواقع فالرجل الذي لا يحالفه الحظ قد يعاني الشقاء حتى وإن كان من أذكى الناس . للتدليل على ذلك لك أن تعلم أن فكرة وجود مركبات عضوية طبيعية أو اصطناعية كبيرة الحجم جداً large molecules مثل البلاستيك أو المطاط الطبيعي لم تكن مقبولة بل ومستهجنة حتى العشرينات الميلادية من القرن العشرين . في الحقيقة هذا كان حال الكيميائي الألماني Staudinger (الذي لم يكن الحظ قد أبتسم له بعد) الذي كان أول من طرح احتمالية وجود مثل هذه الجزيئات العملاقة فقد واجه انتقاد شديد ومرير من المجتمع العلمي والأكاديمي وصل إلى درجة حرمانه من الدعم المالي لإجراء أبحاثه المشكوك فيها . لكن هذا العالم الألماني لم يلقى لهذا التخذيل بالاً واستمر في أبحاثه حتى أثبت أن البولمر في الواقع هو عبارة عن جزيئات ضخمة مما أهله فيما بعد لأن يكون أول كيميائي يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء في مجال كيمياء البولمرات . وحتى نخلص إلى الدرس التالي يحسن أن نذكر بالحادثة المشابهة التي وقعت لعالم ألماني أخر هو Vant` Hoff الذي نشر وهو بعد في سن الـ 25 سنة من عمره مقالة صغيرة يقرر فيها لأول مرة أن ذرة الكربون تأخذ شكل الهرم رباعي الوجوه . المؤسف حقاً أن هذه الفكرة لمبدعة (والتي سوف تسبب في مستقبل الأيام ثورة في الكيمياء العضوية) واجهت نقد قاسي جداً من عالم كيميائي متمكن و مقدر وصف هذه الدراسة بأنها هلوسة علمية وهراء . المعلوم أن هذا الهراء وغيره من الأبحاث قادت فانت هوف لاحقا لأن يكون أول كيميائي على الأطلاق يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1901م . ولذلك نخلص الي الوصية المخلصه التي تحثك علي ان تنافح بثقة عن إنتاجك وأفكارك العلمية اما إذا وجهت بالنقد الجارح فعزى نفسك بقول المتنبي :
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً
وأفته من الفهمِ السقيمِ
__________________
خدعوك فقالوا: الكيمياء ممله ومعقدة و ملوثة (3M)
رد مع اقتباس
  #2   -->
قديم 05-03-2003, 09:20 PM
أستاذ جامعي
 
تاريخ الانتساب: 10 2002
المكان: الرياض
مشاركات: 70
د/ أحمد الغامدي على طريق التميز و النجاح
افتراضي قصة البلاستيك ... دروس و فوائد (الجزء الثاني)

بالإضافة للتشكيك في وجود هذه المركبات البولمرية العملاقة أصلاً ، واجه هذه المركبات الاصطناعية إهمال وتجاهل من نوع أخر فقد كانت في أول الامر تعامل كأنها نواتج مصاحبه By-Products لبعض لتفاعلات العضوية، ولهذا غالباً ما كان يتم التخلص منها على اعتبار أنها ملوثات غير مرغوبة . استمر الأمر كذلك حتى صحح هذا الخطأ الفادح الكيميائي البلجيكي الأصل Baekeland الذي أثمرت أبحاثه عن أول بولمر اصطناعي سماه بكل تواضع Bakelite اشتقاقاً من اسمه . لا شك أن سر نجاح هذا العالم أنه لم ينجرف مع التيار والعرف السائد في الدراسات العلمية ولكن الرغبة في الكشف عن طبيعة الأشياء دفعته لاستثمار هذه المركبات المهملة ليثبت بحق أن ( الخيمياء) العصرية تحول الأشياء التافهة إلى شيء ثمين وإن كان بشع المنظر مثل بلاستيك البكلايت القديم.

حب الاستطلاع والفضول قاد كذلك إلى اكتشاف هام وتاريخي في علم البولمرات وهو اكتشاف مادة النايلون على يد Carothers الذي كان يعمل في مختبرات شركة Du pont . في أول الأمر أنتجت الأبحاث بولمر Polyester الذي لم يكن له أي فائدة صناعية تذكر لأنه كان يكون مادة لزجة ليس لها شكل ثابت . لقد كاد منتج النايلون الاسطوري أن لا يرى النور لولا أن أحد مساعدي Carothers غلبه الفضول والعبث واللهو حيث لاحظ أنه إذا وضع قضيب زجاجي في مادة البوليستر ورفعه ببطء يكون خيط سلكي رفيع عند سحبه من الدورق . وهكذا من رحم اللهو والعبث ولدت الأعجوبة الصناعية .
العجيب حقاً أن حب الفضول والاستطلاع لكيميائي أخر يعمل في نفس الشركة (Du Pont) سوف يثمر بعد عدة عقود اكتشاف مركب بلاستيكي لا يقل قدراً من النايلون (المقدر جداً لدى النساء) . هذا البولمر الجديد هو التلفون Teflon والذي بدوره ايضا تقدره النساء لأن استخدامه في أواني الطبخ يخفف عناء الغسيل عن الأنامل الرقيقة . هذه المرة كان سيناريو (اللقافة العلمية) كالتالي : لاحظ العالم Plunkett أن إحدى الإسطوانات لغاز مركب CF2=CF2 خفيفة الوزن ، وبدلاً من أن يتخلص منها ويطلب إسطوانة جديدة كما قد يحصل لأي باحث خامل، دفعه الفضول لأن يجهد نفسه ليقطع هذه الأسطوانة الحديدية الصلبة ويستطلع ما هو مصير الغاز المفقود . لقد وجد أن جدار الإسطوانة الداخلي مغطى بمادة شمعية بيضاء وعندما درس خواصها وجدها مادة كيميائية خاملة بشكل عجيب . والباقي بعد ذلك تاريخ كما يقال فقد تنوع استخدام هذه المادة من طناجر وقدور المطابخ إلى المفاعلات النووية وبدلات وبزات رجال الفضاء . من هذا وذلك نعلم أن الحصول على المعرفة في الغالب يحتاج إلى جلد وتعب (وشيء من اللعب احيانا)، فحقيقة الأمر أنك تحتاج أن تبحث عن المعرفة لأن المعرفة لا تبحث عنك كما يقول الحكيم الصيني .

درس إضافي يمكن استخلاصه من المركبات الكيميائية الأخرى التي ظلمت عند تصنيفها بانها عديمة الفائدة كبولمر Polyacetylene الذي ظل ردحاً من الزمن لا يعرف إلا بكونه بودرة سوداء كريهة المنظر وهشة و غير ذات جدوى . لكن في أحد الأيام حاول الكيميائي الياباني Shirakawa أن يحضر هذا البولمر بطريقة خاصة ولكنه وبطريق الخطأ أضاف كمية كبيرة جدا من حفّاز Catalyst كيميائي معين إلى وعاء التفاعل . ما أثار دهشته أنه بدل من أن يحصل على المسحوق الأسود التقليدي البشع حصل على مرآة فضية رائعة المنظر على السطح الداخلي لوعاء التفاعل . من المعلوم أن المرايا لا تتكون في الغالب إلا عن طريق ترسيب أيونات المعادن مثل الفضة على سطح زجاجي وعندما حاول العالم الياباني حل هذه المعضلة وجد أن البولمر الرائع الجديد يتمتع بخاصية أكثر روعة وأهمية وهي قدرته على التوصيل الكهربائي . بقى أن نقول أن هذا الخطأ العلمي الفادح لم يضمن رخاء مادي فقط للعالم ( المهمل في إتقان إجراء تجاربه) ولكن بالإضافة لذلك كوفئ على اكتشافه هذا (مع آخرين) بجائزة نوبل المرموقة . سبق وأن ذكرنا أن اللهو واللعب في البحث العلمي يمكن أن يكون نافعاً وهذا احتمال قد يقع وقد لا يقع . لكن الأمر الشبه مؤكد أن الفشل والإخفاق في عمل أو تجربة ما مفيد ولو بعد حين ، فالامر لا يعدو قول اهل الحكمة: الفشل في بعض الحالات هو أساس وسلم النجاح .

وحتى لا نسترسل كثيراً (وقد فعلنا) مع الدروس التربوية التي يمكن استنباطها من تاريخ تطور علم البولمرات ، لعلنا نختم هذا الجزء بدرس أخير من نوع خاص لا يتعلق بالعلماء والباحثين في مجال البولمر ولكن يدور حول محاضن وبيوت الأبحاث التي أفرزت هذه الأعاجيب التقنية . فمن ذلك مثلاً أن شركة Du Pont العملاقة التي مر ذكرها سابقاً والتي احتفل قبل شهور بمرور 200 عام علي انشائها (تعتبر اليوم من أكبر الشركات الكيميائية في العالم ولا يبزها في ذلك إلا شركة Dow Chemicals) قد تحولت من مصنع عائلي بسيط لإنتاج البارود أقامه مهاجر فرنسي إلى أمريكا إلى عملاق و أخطبوط صناعي متعدد النشاطات . من الجدير ان نعلم ان من أسباب هذا النجاح العلمي والاقتصادي أن هذه الشركة كانت من أوائل من طبق فكرة إقامة مراكز الأبحاث والتطوير R & D المرتبطة بالشركات والمصانع الكبرى . هذا الاتجاه والسياسة البحثية التي لا تشترط أن يكون للبحث العلمي تطبيقات تجارية فورية كان نظرة بحثية غير مألوفة حتى أوائل القرن العشرين . لكن الثمار العلمية والاقتصادية لهذا التوجيه الجريء من الوضوح بحيث لا يمكن أن تخطئها العين الثاقبة . فبعد أن استقطبت هذه الشركة العالم Carothers السابق الذكر من جامعة هارفرد العريقة وفق لاكتشاف مادة النايلون مع بولمرات أخرى ، وكذلك تم في مختبرات هذه الشركة إنتاج بولمرات التفلون والداكرون والكيفلار وغاز الفريون و غيرها كثير . ليس هذا فحسب بل البعض من العلماء الذين عملوا بهذه الشركة حصلوا على جوائز نوبل في الكيمياء مثل Flory الحاصل على الجائزة في عام 1973 لدراسته عن البولمرات وكذلك الكيميائي Pedersen الحاصل عليها في عام 1987 لدراسته حول المعقدات المخلبية. بل بعض الدارسين يقولون أن Carothers الذي اكتشف النايلون كان مرجح جداً أن يحصل على نوبل في الكيمياء لولا انتحاره وهو ما زال بعد في أوائل الأربعين من عمره . والمقصود أن البحث والدراسة البحثية والتي قد ينظر لها أنها من باب الترف العلمي والإغراق في الجزيئات قد تنتج عن طريق طفرات معرفية خاطفة ثمار معرفية لا تقدر بثمن لكن في الغالب تحتاج ان تتصبر بالتأني و الاتقان لتنال مأمولك كما قال القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجتهِ
و قد يكون مع المستعجل الزللُ
__________________
خدعوك فقالوا: الكيمياء ممله ومعقدة و ملوثة (3M)
رد مع اقتباس
  #3   -->
قديم 18-09-2015, 11:38 AM
كيميائي
 
تاريخ الانتساب: 09 2015
مشاركات: 12
abu_abdulah على طريق التميز و النجاح
افتراضي

جهد رائع
د/ احمد ،،،،، تسلم الايادي
رد مع اقتباس
إضافة رد


زوار هذا الموضوع الآن : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
غير مصرّح لك بنشر موضوع جديد
غير مصرّح لك بنشر ردود
غير مصرّح لك برفع مرفقات
غير مصرّح لك بتعديل مشاركاتك

وسوم vB : نشيط
كود [IMG] : نشيط
كود هتمل : خامل
Trackbacks are نشيط
Pingbacks are نشيط
Refbacks are نشيط



التوقيت حسب جرينتش +3. الساعة الآن 09:39 AM.


Powered by: vBulletin® Version 3.8.8 Copyright ©2000-2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO
Translated By vBulletin®Club©2002-2017
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
Powered by: vBulletin® Version 3.8.8 Copyright ©2000-2015, Jelsoft Enterprises Ltd.

a.d - i.s.s.w